ابن أبي شريف المقدسي

171

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

لَنا بِهِ ( سورة البقرة 286 ) ، ولأنه تعالى أخبر نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدقه ، ثم أمره بأن يصدقه في جميع أقواله ، وكان من جملة أقواله ، أنه لا يصدقه ، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه ؟ هذا محال » . اه ) كلام حجة الإسلام . و « ثم » في قوله : « ثم أمره » للترتيب الذكري ، لأن كون أمر أبي جهل بالتصديق بعد الإخبار بعدم إيمانه لا يظهر له مستند ، فضلا عن كونه متراخيا عن الإخبار . وفي كلام الآمدي وغيره : أبو لهب بدل أبي جهل ، فقد تضمن كلام حجة الإسلام دليلين على جواز تكليف ما لا يطاق . ( ولا يخفى أن الدليل الأول ) منهما ( ليس ) دالا ( في محل النزاع ، وهو ) أي : محل النزاع ( التكليف ) بمعنى طلب تحقيق الفعل والإتيان به ، وأنه إذا لم يفعله يعاقب على تركه لا تحميل ما لا يطاق من العوارض ، فإنه ليس محل نزاع ( إذ عند القائلين بامتناعه ) أي : امتناع تكليف ما لا يطاق ( يجوز أن يحمله ) أي : يحمل اللّه المكلف ( جبلا فيموت ) إظهارا لعجزه وعدم إقداره على حمله ، والمسؤول دفعه في الآية هو تحميل ما لا يطاق بهذا المعنى ؛ لا التكليف الذي هو محل النزاع . ( أما عند المعتزلة ) أي : أما جواز تحميل ما لا يطاق لإظهار العجز ، وإن أدى إلى الهلاك ( فبناء ) من المعتزلة ( على ) ما ذهبوا إليه من ( جواز أنواع الإيلام ) للعبد ( بقصد العوض وجوبا ) أي : على جهة وجوب العوض على اللّه عندهم ، تعالى عن أن يجب عليه شيء . ( وأما عند الحنفية المانعين منه ) صفة كاشفة لا مخصصة ، إذ الحنفية كلهم مانعون من جواز تكليف ما لا يطاق ( أيضا ) كالمعتزلة ( فتفضلا ) أي : فبقصد العوض على وجه التفضل منه سبحانه وتعالى عندهم ، ( بحكم وعده ) الصادق بالجزاء ( على المصائب ) في الأحاديث الصحيحة ؛ كحديث الصحيحين الذي قدمناه : « ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللّه بها من خطاياه » « 1 » ، وحديث البخاري : « من يرد اللّه به خيرا يصب منه » « 2 » ، وقد قدمنا لك ما يظهر به أن هذا الاستدلال مبني

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه البخاري في المرض / باب ما جاء في كفارة المرض / رقم : ( 5321 ) ، والموطأ في العين 2 / 941 رقم : ( 1683 ) .